سيد محمد طنطاوي
56
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ذويه ، لأن علمهم كله ضروري بخلاف البشر فإن علمهم منه ما هو ضروري ، ومنه ما هو اكتسابى . وقوله - تعالى - * ( قائِماً بِالْقِسْطِ ) * بيان لكماله - سبحانه - في أفعاله إثر بيان كماله في ذاته . والقسط : العدل . يقال قسط ويقسط قسطا ، وأقسط إقساطا فهو مقسط إذا عدل ومنه إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . ويطلق القسط على الجور ، والفاعلي قاسط ، ومنه « وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا » . أي : مقيما للعدل في تدبير أمر خلقه ، وفي أحكامه . وفيما يقسم بينهم من الأرزاق والآجال ، وفيما يأمر به وينهى عنه ، وفي كل شأن من شؤونه . قال الجمل و * ( قائِماً ) * منصوب على أنه حال من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا ، فتكون الحال أيضا في حيز الشهادة ، فيكون المشهود به أمرين : الوحدانية والقيام بالقسط وهذا أحسن من جعله حالا من الاسم الجليل فاعلى شهد ، لأن عليه يكون المشهود به الوحدانية فقط والحال ليست في حيز الشهادة « 1 » . وقوله * ( لا إِله إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * تكرير للمشهود به للتأكيد والتقرير ، وفيه إشارة إلى مزيد الاعتناء بمعرفة أدلته لأن تثبيت المدعى إنما يكون بالدليل ، والاعتناء به يقتضى الاعتناء بأدلته . * ( الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) * صفتان مقررتان لما وصف به ذاته من الوحدانية والعدل . أي لا إله في هذا الوجود يستحق العبادة بحق إلا اللَّه * ( الْعَزِيزُ ) * الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ، وينتصر من كل أحد عاقبه أو انتقم منه * ( الْحَكِيمُ ) * في تدبيره فلا يدخله خلل . قال ابن جرير : « وإنما عنى جل ثناؤه - بهذه الآية نفى ما أضافت النصارى الذين حاجوا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في عيسى من النبوة ، وما نسب إليه سائر أهل الشرك : من أن له شريكا ، واتخاذهم دونه أربابا ، فأخبرهم اللَّه عن نفسه ، أنه الخالق كل ما سواه ، وأنه رب كل ما اتخذه كل كافر وكل مشرك ربا دونه ، وأن ذلك مما يشهد به هو وملائكته وأهل العلم به من خلقه . فبدأ - جل ثناؤه - بنفسه تعظيما لنفسه ، وتنزيها لها عما نسب الذين ذكرنا أمرهم من أهل الشرك به ما نسبوا إليها ، كما سن لعباده أن يبدؤا في أمورهم بذكره قبل ذكر غيره مؤدبا خلقه بذلك » « 2 » .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 251 . ( 2 ) تفسير ابن جرير الطبري ج 2 ص 210 طبعة الحلبي .